ابن أبي الحديد

157

شرح نهج البلاغة

وأما أصحابنا رحمهم الله ، فلهم أن يقولوا : إنه لما كان أمير المؤمنين عليه السلام هو الأفضل والأحق ، وعدل عنه إلى من لا يساويه في فضل ، ولا يوازيه في جهاد وعلم ، ولا يماثله في سؤدد وشرف - ساغ إطلاق هذه الألفاظ ، وإن كان من وسم بالخلافة قبله عدلا تقيا ، وكانت بيعته بيعة صحيحة ، ألا ترى أن البلد قد يكون فيه فقيهان : أحدهما أعلم من الآخر بطبقات كثيرة ، فيجعل السلطان الأنقص علما منهما قاضيا ، فيتوجد الأعلم ( 1 ) ويتألم ، وينفث أحيانا بالشكوى ، ولا يكون ذلك طعنا في القاضي ولا تفسيقا له ، ولا حكما منه بأنه غير صالح ، بل للعدول عن الأحق والأولى ! وهذا أمر مركوز في طباع البشر ، ومجبول في أصل الغريزة والفطرة ، فأصحابنا رحمهم الله ، لما أحسنوا الظن بالصحابة ، وحملوا ما وقع منهم على وجه الصواب ، وأنهم نظروا إلى مصلحة الاسلام ، وخافوا فتنة لا تقتصر على ذهاب الخلافة فقط ، بل وتفضي إلى ذهاب النبوة والملة ، فعدلوا عن الأفضل الأشرف الأحق ، إلى فاضل آخر دونه ، فعقدوا له - احتاجوا إلى تأويل هذه الألفاظ الصادرة عمن يعتقدونه في الجلالة والرفعة قريبا من منزلة النبوة ، فتأولوها بهذا التأويل ، وحملوها على التألم ، للعدول عن الأولى . وليس هذا بأبعد من تأويل الامامية قوله تعالى : ( وعصى آدم ربه فغوى ) ( 2 ) ، وقولهم : معنى " عصى " أنه عدل عن الأولى ، لان الامر بترك أكل الشجرة كان أمرا على سبيل الندب ، فلما تركه آدم ، كان تاركا للأفضل والأولى ، فسمى عاصيا باعتبار مخالفة الأولى ، وحملوا " غوى " على " خاب " لا على الغواية بمعنى الضلال . ومعلوم أن تأويل كلام أمير المؤمنين عليه السلام وحمله على أنه شكا من تركهم الأولى أحسن من حمل قوله تعالى : ( وعصى آدم ) على أنه ترك الأولى .

--> ( 1 ) ب : " الأعظم " ، والأجود ما أثبته من ا ( 2 ) سورة طه 121